أحمد بن علي القلقشندي
328
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يكون كل ذراع أربعة وعشرين أصبعا ، فلما أرادوا وضعه على ستة عشر ذراعا ، وزعوا الذراعين الزائدين ، وهما ثمانية وأربعون أصبعا على اثني عشر ذراعا لكل ذراع منها أربعة أصابع ، فصار كل ذراع ثمانية وعشرين أصبعا ، وبقي الزائد على ذلك كل ذراع أربعة وعشرون أصبعا . قال القضاعي : وكان سبب ذلك فيما ذكره الحسن ( 1 ) بن محمد بن عبد المنعم في رسالة له أن المسلمين لما فتحوا مصر عرض على عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ما يلقاه أهلها من الغلاء عند وقوف النيل في حدّ المقياس لهم فضلا عن تقاصره ، ويدعوهم ذلك إلى الاحتكار ، والاحتكار يدعوهم إلى زيادة الأسعار ، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص يسأله عن حقيقة ذلك ، فأجابه : إني وجدت ما تروى به مصر حتّى لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعا ، والحد الذي يروى منه سائرها حتّى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ست عشرة ذراعا ، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان ، في الظمأ والاستبحار ( 2 ) ، اثنتا عشرة ذراعا في النقصان وثماني عشرة ذراعا في الزيادة . فاستشار عمر رضي اللَّه عنه عليّ بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه في ذلك ، فأشار بأن يكتب إليه أن يبني مقياسا ، وأن يفضّ ذراعين على اثنتي عشرة ذراعا ، ويبقي ما بعدهما على الأصل . قال القضاعيّ : وفي هذا نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار ، وانتقاض الأحوال ، وشاهد ذلك أن المقاييس القديمة الصعيدية من أولها إلى آخرها أربعة وعشرون أصبعا كل ذراع بغير زيادة على ذلك . قال المسعوديّ : فإذا تم النيل خمس عشرة ذراعا ، ودخل في ست عشرة ، كان فيه صلاح لبعض الناس ولا يستسقى فيه ، وكان فيه نقص من خراج السلطان . وإذا انتهت الزيادة إلى ستة عشر ذراعا ، ففيه تمام خراج السلطان وأخصب الناس ،
--> ( 1 ) كذا في خطط المقريزي : 1 / 58 والنجوم الزاهرة 2 / 312 وفي الأصل : « الحسين » . ( 2 ) أي طوفان الماء بأن تصير اليابسة بحرا أو جزءا من البحر . ( القاموس : 1 / 382 ) .